علي بن أحمد المهائمي
260
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ ولهذا قال : « شيبتني سورة هود وأخواتها » لما تحوي عليه من قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ فشيّبه كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] فإنّه لا يدري هل أمر بما يوافق الإرادة فيقع ، أو بما يخالف الإرادة فلا يقع ] . ( ولهذا ) أي : ولوقع المخالفة بين إرادة الأمر ، وإرادة وقوع المأمور به في حق العاصي ( قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « شيبتني هود » « 1 » أي : سورة « هود وأخواتها » ) ( لما تحوي ) تلك السور ( عليه من قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ) فإنه عليه السّلام وإن علم أنه حصل له استقامة فوق ما حصل لسائر الكمل تردد في أنه هل حصل له بمقدار ما أمر أم لا ( فشيبه ) قوله : ( كَما أُمِرْتَ فإنه لا يدري هل أمر بما يوافق الإرادة ) أي : إرادة وقوع ما أمر به من أقصى مراتب الاستقامة ، ( فيقع أو بما يخالف الإرادة فلا يقع ) ، فيقع في المعصية ، فيحجبه عن الحق ويتخلف عن أمر المحجوب ، فينقطع عن محبته فشاب من هذا الخوف الحاصل له من هذا التردد . [ ولا يعرف أحد حكم الإرادة إلّا بعد وقوع المراد إلّا من كشف اللّه عن بصيرته ، فأدرك أعيان الممكنات في حالة ثبوتها على ما هي عليه ، فيحكم عند ذلك بما يراه ، وهذا قد يكون لآحاد النّاس في أوقات لا يكون مستصحبا ، قل : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [ الأحقاف : 9 ] فصرّح بالحجاب ، وليس المقصود إلّا أن يطّلع في أمر خاص لا غير ] . ثم استشعر سؤالا بأنه عليه السّلام كيف لا يعرفه مع غاية كماله الموجب كشف الحجب عنه ؛ فقال : ( ولا يعرف أحد حكم الإرادة ) أي : حكم تعلقها بأحد الأمرين ( إلا بعد وقوع المراد ) من الأمرين ( إلا من كشف اللّه عن بصيرته ) الحجب كلها عن أعيان الممكنات ، ( فأدرك أعيان الممكنات ) ، وإن كانت معدومة في أنفسها ، لكنها تدركها ( في حال ثبوتها ) في العلم الأزلي عند انكشافه له ، فما ينكشف لك عن الصورة المعدومة التي في المرآة لثبوتها فيها ، ولا يكفي إدراكها من حيث هي أعيان ، بل لا بدّ من إدراكها ( على ما هي عليه ) من الأحوال ، ( فيحكم عند ذلك ) الكشف ( بما يراه ) فيه قبل الوقوع ؛ لكن الكمال النبوي لا يستلزم رفع جميع الحجب في جميع الأوقات عن جميع تلك الأحوال ، وإن كانت ( هذا قد يكون لآحاد الناس ) فضلا عن الأولياء ، كالفلاسفة والبراهمة والزنادقة بالنسبة إلى بعض الأعيان وبعض أحوالها ( في أوقات ) مخصوصة ( لا يكون مستصحبا ) لهم
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 402 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 2 / 374 ) .